أبي حيان الأندلسي
23
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
والتوبيخ ، كأنه قيل : ما بعد الحق إلا الضلال . وماذا : مبتدأ ركبت ذا مع ما فصار مجموعهما استفهام . كأنه قيل : أي شئ والخبر بعد الحق . فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أي كيف يقع صرفكم بعد وضوح الحق وقيام حججه عن عبادة من يستحق العبادة ، وكيف يشركون معه غيره وهو لا يشاركه في شئ من تلك الأوصاف . كَذلِكَ حَقَّتْ الكاف : للتشبيه في موضع نصب . والإشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من تصرفون ، أي مثل صرفهم عن الحق بعد الإقرار به في قوله : فسيقولون اللّه . حق العذاب عليهم ، أي جازاهم مثل أفعالهم . قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ لما استفهم عن أشياء من صفات اللّه واعترفوا بها ، ثم أنكر عليهم صرفهم عن الحق وعبادة اللّه تعالى ، استفهم عن شئ هو سبب العبادة وهو إبداء الخلق وهم يسلمون ذلك لقوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن اللّه ، ثم إعادة الخلق وهم منكرون ذلك ، لكنه عطف على ما يسلمونه ليعلم أنهما سواء بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى وأن ذلك لوضوحه وقيام برهانه قرن بما يسلمونه إذ لا يدفعه إلا مكابر إذ هو من الواضحات التي لا يختلف في إمكانها العقلاء . وجاء الشرع بوجوبه فوجب اعتقاده ، ولما كانوا لمكابرتهم لا يقرون بذلك أمر تعالى نبيه عليه السّلام أن يجيب فقال : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وأبرز الجواب في جملة مبتدأة مصرح بجزأيها فعاد الخبر فيها مطابقا لخبر اسم الاستفهام ، وذلك تأكيد وتثبت ولما كان الاستفهام قبل هذا لا مندوحة لهم عن الاعتراف به ، جاءت الجملة محذوفا منها أحد جزأيها في قوله : فسيقولون اللّه ولم يحتج إلى التأكيد بتصريح جزأيها . ومعنى تؤفكون : تصرفون وتقلبون عن اتباع الحق . قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ الآية ، لما بين تعالى عجز أصنامهم عن الإبداء والإعادة اللذين هما من أقوى أسباب القدرة وأعظم دلائل الألوهية ، بيّن عجزهم عن هذا النوع من صفات الإله وهو الهداية للحق وإلى منهاج